القرطبي

179

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

جلده ، ورد شهادته أبدا ، وفسقه . فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع ، إلا ما روى عن الشعبي على ما يأتي . وعامل في فسقه بإجماع . واختلف الناس في عمله في رد الشهادة ، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن البصري وسفيان الثوري وأبو حنيفة : لا يعمل الاستثناء في رد شهادته ، وإنما يزول فسقه عند الله تعالى . وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال . وقال الجمهور : الاستثناء عامل في رد الشهادة ، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ، وإنما كان ردها لعلة الفسق فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقا قبل الحد وبعده ، وهو قول عامة الفقهاء . ثم اختلفوا في صورة توبته ، فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي وغيره ، أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه . وهكذا فعل عمر ، فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة : من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل ، ومن لم يفعل لم أجز شهادته ، فأكذب الشبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كلدة أنفسهما وتابا ، وأبى أبو بكرة أن يفعل گ فكان لا يقبل شهادته . وحكى هذا القول النحاس عن أهل المدينة . وقالت فرقة - منها مالك رحمه الله تعالى وغيره - : توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب ، وحسبه الندم على قذفه والاستغفار منه وترك العود إلى مثله ، وهو قول ابن جرير . ويروى عن الشعبي أنه قال : الاستثناء من الأحكام الثلاثة ، إذا تاب وظهرت توبته لم يحد وقبلت شهادته وزال عنه التفسيق ، لأنه قد صار ممن يرضى من الشهداء ، وقد قال الله عز وجل : " وإني لغفار لمن ( 1 ) تاب " [ طه : 82 ] الآية . الثانية والعشرون - اختلف علماؤنا رحمهم الله تعالى متى تسقط شهادة القاذف ، فقال ابن الماجشون : بنفس قذفه . وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون : لا تسقط حتى يجلد ، فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته . وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي : شهادته في مدة الاجل موقوفة ، ورجح ( 2 ) القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف ، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقى على عدالته .

--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 231 . ( 2 ) في ك : وترجيح القول بالتوبة إنما يكون الخ .